اسد حيدر

148

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

وولي جعفر بن سليمان بن علي بن عبد اللّه بن العباس وبقي واليا من قبل المنصور إلى سنة 149 ه - . وفي أيامه مات أبو عبد اللّه الصادق عليه السّلام وذلك في سنة 148 ه - مسموما . هذا موجز من البيان عن ولاة إمرة المدينة في العهد العباسي ، وقد شهدت المدينة المنورة في عهد رياح بن عثمان المري - الذي ولاه المنصور إمرة المدينة - أولئك الجند القساة يهجمون على منازل آل الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، ويخرجون الرجال منها فيزج بهم في السجون ، ويعذبون فيها بدون رحمة ، ولا خشية من عقاب . ولعل من أعظم تلك المشاهد وقعا ، وأشدها ألما ، مرور موكب آل الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من شيوخ وشبان في شوارع المدينة ، وهم مكبلون في الحديد ، وقد غير ألم العذاب نضارة تلك الوجوه يحوط بهم جند المنصور وهم يسيرون إلى الكوفة حتى أودعوا في سجنه المظلم فكان به خاتمة مطافهم ، وهو بيت ضيق لا يتمكن أحدهم من مقعده ، يبول بعضهم على بعض ويتغوط ، لا يدخل عليهم روح الهواء ، ولا يخرج عنهم رائحة القذر حتى ماتوا عن آخرهم « 1 » . وفي خضم هذه الأحداث كان الإمام الصادق يعيش معتركا حادا تختلط فيه المشاعر بالمسؤوليات الجسام وليس أشق على نفسه الكريمة الطاهرة من ذاك المنظر وهو يرى برباطة جأش ما ذا سينجم عن هذه الجولة التي كان وقوعها أمرا مقدرا لم يدخل في دائرة الاحتمالات على المدى الذي كان يلوح في الأفق . يروي الحسين بن زيد : اني لواقف بين القبر والمنبر ، إذ رأيت بني الحسن يخرج بهم من دار مروان مع أبي الأزهر يراد بهم الربذة ، فأرسل إلى جعفر بن محمد فقال : ما وراءك ؟ قلت : رأيت بني الحسن يخرج بهم في محافل ، فقال : اجلس ، فجلست ، قال : فدعا غلاما له ، ثم دعا ربه كثيرا ، ثم قال لغلامه : اذهب ، فإذا حملوا فأت فأخبرني . قال : فأتاه الرسول فقال : قد أقبل بهم . فقام جعفر فوقف وراء ستر شعر أبيض من ورائه . فطلع بعبد اللّه بن الحسن وإبراهيم بن الحسن وجميع أهلهم ، كل واحد منهم معادله مسوّد ، فلما نظر إليهم جعفر بن محمد هملت عيناه حتى جرت دموعه على لحيته ،

--> ( 1 ) البدء والتاريخ ج 6 ص 85 .